مقالات سابقة
البحث في الموقع
القائمة البريدية

ضياع الطلاب بين الجامعات والتخصصات
الثلاثاء 23, فبراير 2010
ضياع الطلاب بين الجامعات والتخصصات

لجينيات ـ يحكى أن ملكاً كبرت سنه وله ثلاثة من الأبناء، وأراد أن يجعل ولياً للعهد يخلفه من بعده، إلا أنه احتار أي أبنائه أصلح؟! أيضع الكبير لأنه أرجحهم عقلاً؟ أو الأوسط الذي يتمتع بذكاء حاد؟ أو الأصغر الذي يمتلك الشجاعة وسرعة البديهة؟! فجمع أبناءه ذات يوم وقال لهم سوف أضع ولياً للعهد من بعدي، وسوف أختبركم في مثل هذا اليوم من العام القادم، وأيكم تجاوز هذا الامتحان فسيكون ولياً للعهد في حياتي وملكاً بعد موتي.

ولم يخبر أبناءه عن نوع هذا الامتحان فهو يريد أن يجتهدوا وتزداد معارفهم وتتفتح مداركهم، وكان لهذا الملك وزيراً لا يخرج عن شوره، ولا يستغني عن توجيهه؛ لسداد رأيه وحكمته في التدبير وموازنة الأمور، وتوقع هؤلاء الأبناء أن والدهم سوف يستعين به ويستشيره في الاختيار، فاخذوا يقتربون منه ويحاولون خدمته وإرضاءه، ويراقبونه لعلهم يجدون منه ما يدلهم على نوع الاختبار.

أخذ الأبناء مدة يرقبون الوزير في دخوله وخروجه من عند والدهم، وبعد مدة لاحظ الأبناء الثلاثة أن هذا الوزير يحمل قوساً وثلاثة سهام ويدخل بها إلى والدهم، واستغربوا الأمر فأبوهم لم يعهد عنه حب الرماية ولا الولع في الصيد، ثم إن أوسطهم لاحظ أن عدد السهام ثلاثة مثل عددهم، فاستشف أن والدهم سوف يختبرهم في الرماية، وما لبثوا أن سمعوا من الوزير بعد زلة لسان أن والدهم ربما يختبرهم في الرمي.

بدأت لدى الأبناء مرحلة الجد بعد أن عرفوا طبيعة الامتحان، فصار الابن الأكبر يقضي ما يقارب ست ساعات في التدريب على الرماية، وأما الأوسط فصار يمضي أكثر من ثمان ساعات يومياً في التدريب، وأما الابن الصغير فلم يحمل هم هذا الامتحان فصار يمضي أكثر وقته في هوايته المفضلة وهي الصيد.

وفي اليوم الموعود خرج الملك مع أبنائه  ووزيره و بعض الخدم إلى الصحراء، وبعد أن انتهوا من وجبة الغداء أمر الملك وزيره أن يضع هدفاً في شجرة قريبة منهم، وأعطى القوس للابن الكبير فوضع الابن السهم في القوس وشده، ثم ركز وشده مرة أخرى، وسأله والده هل أنت مستعد؟ فقال الكبير: لا. ثم أبعد السهم عن القوس وشده مرة أخرى وسأله والده هل أنت مستعد؟ قال: نعم. فقال الملك: ماذا ترى؟ قال : أرى الشجرة والهدف. قال الملك: ارم. فرمى وأصاب الهدف ولكن في طرفه.

ثم نادى الابن الأوسط وأعطاه السهم والقوس، فأخذ الابن الأوسط السهم وشده وسط القوس، فقال له والده هل أنت مستعد؟ فثبت القوس ثم شد السهم، وقال: نعم. فقال الملك: ماذا ترى؟ قال أرى الشجرة والهدف. قال الملك: ارم. فرمى وأصاب الهدف، ولكن في الطرف الآخر. ثم نادى الابن الصغير، وأعطاه القوس والسهم، أخذهما بسرعة فثبت القوس في يده وشد السهم، فقال الملك: هل أنت مستعد؟ ودون تردد قال: نعم. قال الملك: ماذا ترى قال: أرى الهدف. فقال الملك: ارم. فرمى فأصاب كبد الهدف، وهنا قال الملك: أنت ولي العهد من بعدي.

كم هم الذين يرون الأشجار والأهداف، بل كم الذين يرون الأشجار ولا يرون الأهداف، إنهم أكثر الطلاب بعد تخرجهم من المرحلة الثانوية، يخرجون ويسمعون في الجامعات، ولا يدرون عن التخصصات والأقسام، ولو سمعوا لا يعلمون أيها يوافق طموحهم، أو أي التخصصات تناسبهم، ولا يستطيعون تحديد أهدافهم المستقبلية، ولا يعلمون كيف يحددونها.

هذه الحيرة التي يعيش فيها أكثر الطلاب والطالبات مردها قلة التوعية، وعدم التحفيز من قبل الأسرة والمدرسة على ما يوافق توجهاتهم، فالوالدان يشعران بالتأكيد عن ميول أبنائهم، إذا كانوا يتابعونهم، وكذلك المعلمون والمعلمات يستطيعون اكتشاف الرغبات، فأين هم من التوجيه؟ ولماذا لا يقوم كل بدوره؟!

إن مساعدة الطلاب والطالبات في ذلك تكمن في إعداد برامج توعية في آخر فصل لهم في المرحلة الثانوية، عن الجامعات ومميزات كل جامعة، وعن التخصصات وفائدة كل تخصص في المستقبل، وإجراء بعض الاختبارات لمعرفة الميول أو التخصص الذي يناسب كل واحد منهم، ويطرح أمامه عدة اختيارات تتلاءم مع توجهه ثم هو يختار ما يريد، وكيف يمكن من خلاله خدمة وطنه وأمته، وينبغي أن تكون لجان توجيه تشرف على هذا تجلي المستقبل أمامهم، وتوضح الصورة التي تكون غائمة في أذهانهم، وتكشف الستار عن كل سؤال يحمله أولئك الطلاب بكل صدق وشفافية، فلا يترك التأثير فيهم للدعايات التي تقوم بها الجامعات، فتضع لهم النجاح بيد، والوظيفية باليد الأخرى، ثم نجدهم يتنقلون بين الجامعات وبين التخصصات، فتضيع فصول من حياتهم الدراسية وهم يبحثون عن أنفسهم، فهل تقوم وزارة التربية بهذا التوجيه؟!

أحمد الملا
ةmol2817@hotmail.com
 

 

كتابة تعليق على المقال

اسمك الكريم
عنوان التعليق
نص التعليق*
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي لجينيات وإنما تعبر عن رأي أصحابها