مقالات سابقة
البحث في الموقع
القائمة البريدية

بحرٌ ماجدٌ
الثلاثاء 09, فبراير 2010
بحرٌ ماجدٌ

لجينيات ـ في أول شبابي كنت أحسب أن كل من شاركك بسمه أو سافر معك سفره فيمكن أن يكون صديقا مخلصا لك ؛كنت غر أرى كل بسمة صادقة ، وكل لطف مودة صافية ، ولم أجرب بعد مكائد أهل الزمان، ولم أعرف أن الشيطان قد يلبس مسوح البشر ، وصدق ابن المرزبان لما فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب  .

وما أكثر من يأتيك لأكل طعامك أو مشاركتك جلسة أُنس ، ولكن ما أقلهم عند المصائب وتتابع النوائب

فما أكثر الأَصْحَـاب حينَ تعُـدُّهُمْ *ولَكِنَّهُـمْ في النَّـائِبَـاتِ قليـلُ

 ولكن بعد أن اقتربت من الأربعين بت أكثر ثقة أن الصداقة عملة نادرة بل أندر من النادرة ، فالصداقة عهد وميثاق وحب وصفاء وصدق ووفاء وإخلاص وتضحية وإثار بلا أثرة ، وأين لك بمن يحمل نصف هذه المعاني فضلا أن تجتمع في شخص واحد؟!.

 ولكن الله حباني بمودة صافية وروح عذبه فأول ما تراه يأسرك بأدبه وحياؤه فقد طبع على ذلك طبعا ، لا تكاد تسمع صوته في المجلس ليس عيّا ولا قلة علم ولا فهم ولكن يلجمه الحياء إلجاما فهو عثماني الحياء ، وفي الحديث الصحيح  : الحياء لا يأتي إلا بخير .

بشوش المحيا باسم الثغر يكسب قلبك بخلقه ، قبل أن يطوقك بكرمه ، فتراه دائم البشر ...

و ما الخصب للأضيافِ أن يكثر القرى * ولكنما وجه الكريم خصيبُ

  عرفته منذ سنوات قلائل ، ولكنه فاق من أعرف منذ عشرين سنة ، فالأرواح جنود مجندة ، وهي تملكنا ولا نملكها ، ولما كانت الأرواح أجسام لطيفة شفافة تحلّق في ملكوت الله ، فترى ما لا يراه هذا الجسد المثقل بأوساخ الدنيا وبالمخادعات التي تغرنا دوما ، لذا تجد أن هذه الروح أعرف بالرجال من الجسد.

وأبدع حكيم الشعراء وشاعر الحكماء وأشعر العرب أبي الطيب لما قال :

 أُصـادِقُ نَفْـسَ المـرءِ قبل جِسْمـهِ * وأعرفُـها في فِعْلِـهِ وَالتَّكَلُّــمِ

عرفه الكثيرون يوم أن كان في أول شبابه ومقتبل عمره ، وعرفته أنا بعد ذلك بسنوات ، فلم يُعرف له تغير إلا مزيد البشر وحسن الخلق والبذل والعطاء ..

في العسرِ واليسرِ فيه لَم يخِب أملٌ * ولا تُغيّر من أخلاقه الغِير

صاحبي هذا ورث الخصال الحميدة كابرا عن كابر، ولو نظرت في اسمه لوجدت أن الله شاء له اسم حسن ، وكتب له أكبر الحظ من هذا الاسم فهو ماجد الفعال والخصال والخلق ، واسم أبيه يحمل أكبر وألطف معاني الرحمة ،  فصبت هذه الرحمة على شناخيب المجد صبا ، وكم من ماجد حَزَنْ الطباع يُنَفر الناس عنه ، ولكن صاحبي سهل لين كذا طُبِعْ متأسيا بنبيه صلى الله عليه وسلم أأ?? فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ .. ?? [آل عمران:159] ، واسم جده يحمل كل معاني الحمد والثناء بل كل صفات المجد ويكفي أنه اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما جَمَعَ السيد المجد والرحمة وعقد فوق ذلك كل صفات الحمد والثناء غالب قمم الجبال عزا وفخرا ، وأي شيء يسع هذا المجد إلا البحر العميق بما حباه ربي من سعة كبيرة عظيمة ولؤلؤ ومرجان ومناظر خلابة أظهرت جمال ربنا في حسن خلقة وإبداعه في صنعه .

طافت بي هذه الأفكار وأنا أقرأ أبيات الشاعر العباسي حيدر بن سليمان الحلي ، فكأنه وصف صاحبي ، وكأنه رآه أو صحبه كما صحبته ، وذاق ما ذقته من حلاوة صحبته وحسن عشرته :

أيّامُنا بكَ بيضٌ كلُّها غرُر ** وعيشُنا بك غضٌّ مونقٌ نضِرُ

ووجهُك المتجلّي للندى مَرحاً ** من نوره تستمدُ الشمسُ والقمرُ

يا شمسَ دارِه أُفق المجد كم لك من ** صنايعٍ لم تكن بالعدِّ تنحصرُ

لله كم لك من معنىً تحيّر في ** إدراكه العقلُ والأوهامُ والفكرُ

قد قلتُ للمبتغي جهلاَ عُلاك لقد ** جريتَ لكنَّ عنها شأنك القِصر

تبغي على ماجدٍ ما رامه أحدٌ ** إلاّ وعادَ بطرفٍ عنه ينحسر

أكتب هذه الكلمات عرفانا بالفضل لأهل الفضل، ولن أبلغ فضله فقد غمرني بحسن خلقه، ولكنها مشاعر وأحاسيس تحملها كلمات قلائل، فالعذر إن قَصرتُ وقصرّت .

عبدالرحمن بن محمد بن علي الهرفي

الدمام: 20/2/1431هـ

 

كتابة تعليق على المقال

اسمك الكريم
عنوان التعليق
نص التعليق*
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي لجينيات وإنما تعبر عن رأي أصحابها