لجينيات ـ إذا كانت واشنطن في عهد "جورج بوش" نجحت بتحطيم العراق كدولة وكيان موحد، فقد تم ذلك بذريعة وجود أسلحة دمار شامل ، الأمر الذي ظهر ككذبة كبرى تم اختلاقها عن سبق إصرار وتصميم من إدارة "بوش" وإدارة "بلير" لتمزيق العراق، الدولة العربية الوحيدة التي كان يمكنها أن تردع إسرائيل إذا أرادت تهديد شعوب الدول العربية المجاورة بعد أن تخلت تلك الدول عن مهمة الدفاع –إن لم نقل الهجوم- عن شعوبها والشعب الفلسطيني. وعندما سكن الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" البيت الأبيض وقد رفع راية "التغيير" استبشر العرب بعد تصريحاته المهادنة أثناء تنصيبه رئيسا في البيت الأبيض، أو بعْدَ خطابه الذي دغدغ فيه مشاعر العرب والمسلمين من على منصة جامعة الأزهر.
أما الآن، فهاهو الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" يكشر عن أنياب لا تكاد تختلف كثيرا عن تكشيرة سلفه الرئيس المنصرف جورج بوش وعصابته من المحافظين الجدد. ولا يهمنا كثيرا فيما إذا كان الرئيس "باراك أوباما" أراد بممارساته وتصريحاته الأخيرة، أن يكسب الكونغرس الأمريكي شيوخا ونوابا، إلى جانب قرارات الضمان الصحي للأمريكيين وأمور اقتصادية أخرى، أم لا؟ فنحن المسلمين يهمنا أكثر من ذلك ما بدأ يلوح في الأفق من عودة النوايا العدوانية عند واشنطن في الهجوم على هذا البلد العربي المسلم أو ذاك، تحت ذريعة وجود إرهابيين على أرضه، أو بذريعة منع الرئيس من إبادة جماعية تتم ضد شعبه.
لذلك لم نندهش مما قاله "جوني كارسون" مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشئون أفريقيا في أكرا يوم الأربعاء في 3 فبراير الجاري: (نحن نعتقد بأن الرئيس البشير ينبغي أن يسلم نفسه إلى المحكمة الجنائية ليحاكم على التهم المنسوبة إليه). هذا القول ليس فلتة لسان ندّت عنه، بل يعبر عن التوجه الجديد للإدارة الأمريكية الحالية من هذه القضية.
قد يكون هذا التصريح شكل مفاجأة للبعض، لأنه يعاكس المنحى الذي سلكه "أوباما" منذ أن جاء إلى البيت الأبيض. حيث نحا منحى آخر، فأرسل الجنرال المتقاعد "سكوت غرايشن" مبعوثا خاصا إلى السودان. فلم يشأ هذا المبعوث أن يعتمد على سياسة سلفه، ودعا لتخفيف العقوبات على السودان وطالب برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، الأمر الذي تسبب في خلاف بينه وبين وزيرة الخارجية الأمريكية، "هيلاري كلينتون".
لقد كان على هذا الفصيح "كارسون" عندما اتهم "البشير" ضمنا بالإبادة الجماعية، أن يتذكر أنه إذا كان هناك من يجب أن توجه إليه تهمة جريمة الإبادة الجماعية في العصر الحديث، وضد المسلمين حصرا، فهو الرئيس المنصرف "جورج بوش"، خصوصا في العراق حيث زاد من أزهقت أرواحهم بسبب سياسته التدميرية، على أيدي الأمريكيين بأوامر منه أو من وزير دفاعه مباشرة على مليون عراقي. وأنه أول من يجب أن يقتص منه على ذلك.
لسنا هنا في مقام الدفاع عن حكومة الإنقاذ التي يرأسها الفريق "عمر حسن البشير" التي بدا للمراقبين أن واشنطن تضغط عليها لتركيع السودان وحكومته.كذلك لم نكن في وارد الدفاع عن حكم الرئيس الراحل صدام حسين عندما استهدفته واشنطن، مع أنا وقفنا ضد العدوان الأمريكي للعراق عندما تأكد لنا أن الهدف الرئيسي هو العراق بنفطه وثرواته، وأن إسقاط الرئيس "صدام حسين"، ومن ثم إعدامه، هو عقبة يجب إزاحتها من الطريق.
أما السودان فمثّل دائما الخاصرة الضعيفة التي يمكن أن يطمع بها الطامعون، وليبعدوا عنه الحلم الذي راود المخلصين بأن يكون سلة الغذاء التي تنتج ما يكفي العالم العربي. فدعمت واشنطن "جون جارنغ" فقتل ودمر، لكن الله قتله من حيث لم يحتسب. وجاء بعد "جارنج" خلفاء ضعاف مشتتين ما اضطرهم إلى توقيع اتفاق سلام مع حكومة عمر البشير "عن يد وهم صاغرون" . عندها توجهت إدارة "بوش" إلى إقليم "دار فور" لتصنع فيه معارضة ضد الحكومة المركزية. لكنها أيضا كانت معارضة ضعيفة مشتتة. ما دعا إدارة "بوش" لتتوجه إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية "لويس مورينو أوكامبو" وأوحت إليه أن يلفق تهما مختلقة، طالب بموجبها باعتقال الرئيس السوداني "عمر البشير"، الذي اعتبر تلك التهم نوعا من الابتزاز لإخضاع السودان للإملاءات الأمريكية.
لكن لماذا السودان الآن؟ نعتقد أن التوجه إلى السودان تم لفتح جبهة جديدة تنسي الأمريكيين إخفاقات إدارة "أوباما" في أفغانستان خصوصا بعد كارثة "خوست" التي أودت في ختام عام 2009 بحياة ثمانية ضباط من ال (سي آي إي) وأظهرت كم هي هشة هذه المخابرات؟
يبقى أن نقول إن واشنطن هي آخر من يحق لها أن تزعم أنها تدافع عن شعوب تتعرض للظلم أو تنتصر لها. فقد كان هناك دائما في دول الشرق المسلم شعوب يضطهدها حكامها ويقومون بمجازر وإبادات جماعية ويحفرون الأخاديد بالآلات المجنزرة الثقيلة لعمل مقابر جماعية لهم. وقد كان كل ذلك يتم تحت سمع وبصر واشنطن، بل وبتحريض منها.
إذا كان "أوباما" لم يسكن القصر إلا من أمس العصر، فعليه أن يحذر أن يقلد مشيةَ "بوش"، لأنه قد يأتي عليه يوم لا يستطيع مشية بوش، وينسى مشيته التي دخل بها البيت الأبيض ، ،،،،،
الطاهر إبراهيم كاتب سوري