(نجاة مجتمعنا يكون بالأمر بالمعروف )
قال تعالى : { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى }.
الحمد لله القائل : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } والصلاة والسلام على النبي الهادي الأمين المبعوث رحمة للعالمين القائل : ( إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه ) .
أما بعد ..
جميعنا نعلم أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونحن في هذا الزمان أحوج ما نكون لتطبيق هذه الشعيرة ، نظراً لانتشار المنكرات والمجاهرة بها ليل نهار ، والله المستعان .
وفي هذا المقال سأضع لكم بعض الفوائد التي رأيت لزاماً طرحها للجميع ليستفاد منها قدر الإمكان ، فنجاة مجتمعنا يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فعن النعمان بن بشير رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا فى نصيبنا خرقاَ ولم نؤذِ مَنْ فوقَنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا ونَجَوْا جميعاً ).
في هذا الحديث العديد من الإشارات وهي :
• أن المصلحين والمحتسبين أعلى واسمى من المفسدين حسياً ومعنوياً لأنهم في أعلى السفينة والمفسدين مدعي الإصلاح في أسفل السفينة ، وهذا هو ظاهر الحديث.
• المُفسدين يدعون الإصلاح . ويعتقدون أنهم يُحسنون صنعا وهذا بظنهم أن خرق السفينة فيه صلاح .
• ترك المُفسدون ينشرون الفساد دون الإنكار عليهم فيه هلاك للجميع(أونهلك وفينا الصالحون) وفي المقابل لن يهلك المجتمع وفيه المصلحون {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ }.
• نصح المفسدين والأخذ على أيديهم ومنعهم من الإفساد فيه نجاة للجميع من الغرق والضياع.
و عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان).
• النبي عليه الصلاة والسلام لم يحدد جهة معينة لإنكار المنكر بل قال (من رأى منكم منكراً) ، وهذا فيه رد على من يقول أن إنكار المنكر لا يقوم به إلا من خوله السلطان .
• وضعت درجات ثلاثة لإنكار المنكرات ، والشرط الذي يجعلك تنتقل من دائرة اليد إلى دائرة اللسان ومن دائرة اللسان إلى دائرة القلب هو العجز ، والخوف من حصول منكر أعظم متعد.
• عامة الناس لهم الإنكار باللسان ، أما أصحاب السلطة فلهم الإنكار باليد .
• الهدف الأول من إنكار المنكرات هو الإعذار إلى الله ، وإن حصل التغيير فهذا أفضل وأحسن .
ولمن يعيب على المحتسبين وينكر عليهم إنكارهم للمنكرات أذكرهم بقوله تعالى :
{واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ{163} وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ{164} فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ{165} فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ{166} .
تأمل هذه الآية جيداً وتمعن بمعانيها ستجد أن قوماً أنكروا على من ينهى عن السوء ، وهؤلاء القوم لم ينكروا المنكر الواقع ، لذلك عاب الله عليهم هذا الأمر ، وذكر عاقبة من يفعل المنكر بقوله (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) ، وعاقبة من نهى عن السوء بقوله (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) ، أما الفئة الثالثة وهي التي لم تنكر المنكر ، بل أنكرت على من أنكر المنكر كما ذكرنا ، سكت الله عنهم ، ولأهل العلم تفصيل طويل عن ما آل إليه حالهم .
ما دعاني لكتابة هذا الموضوع هو ما حصل في مدينة الرياض الأسبوع المنصرم من إلقاء القبض على أربعة من الأخوة المحتسبين في مدينة الرياض عندما قاموا بتذكير الناس بالصلاة في معرض التعليم العالي والإنكار على المتبرجات من العارضات والزائرات بالكلمة الطيبة والنصح بالحسنى ومناصحة القائمين على المعرض .
فلا أعلم ما هي الجريمة التي اقترفوها ، مع أن من قام بالقبض عليهم ترك وللأسف الشديد شباب "طيحني والكدش" وهم من صدر بحق من يلبس لبسهم أمر من وزير الداخلية بالقبض عليه وأخذ التعهد أو الإحالة لمركز الشرطة في حال عدم الاستجابة.
ولكن في هذا الزمان يُعاقب المُصلح ويترك المُفسد ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
و أولئك الفتيةُ أقول لهم ماقاله لقمان لأبنه {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }و أبشركم بأن الله مع المصلحين ، ومن كان مع الله كان الله معه ، ومن نصر الله نصره الله ، ومن اتقى الله جعل له مخرجا من كل ضيق وكربة.
من هنا كانت فكرة هذا المقال لوضع النقاط على الحروف ولتبيين سبيل المصلحين لاتباعه وتبيين سبيل المجرمين لاجتنابه.
كتبه :عادل بن مبارك الفالح
سكاكا الجوف