لجينيات ـ الجماعة النورسية في تركيا هي ثالث الجماعات الإسلامية من حيث التأسيس في العصر الحديث، إذ تأسست في عام (1314هـ - 1896م) على يد الشيخ سعيد النورسي الملقب ببديع الزمان. وينتسب الشيخ النورسي إلى الطريقة النقشِبندية، ويحب القادِرِية. أسره الروس في أثناء الحرب العالمية الأولى، ومكث عامين ونصف ثم هرب في عام (1336هـ - 1919م).
وتُعدُ الجماعة النورسية بالجماعة الأم لجميع الأحزاب الإسلامية السياسية التي نشأت في تركيا فيما بعد إلى وقتنا الحاضر.
وقام الشيخ النورسي بتأليف رسائل دعوية، أطلق عليها اسم "رسائل النور" بلغت أكثر من مائة وثلاثين رسالة، وسمى فصولها : (الكلمات، المكتوبات، اللمعات، الشعاعات، الإشارات، المثنوي العربي، الملاحق، صيقل الإسلام، سيرة ذاتية). توفي في عام (1379هـ - 1960م).
وانقسمت الحركة النورسية بعد موت مؤسسها إلى ثلاثة أقسام[1] :
1. قسم انضم إلى حزب السلامة بزعامة نجم الدين أربكان.
2. قسم استمر مستقلاً بنفسه.
3. قسم تحالف مع حزب العدالة بزعامة ديميريل.
تعريف التوحيد :
يُلاحظ من كتابات[2] الشيخ سعيد النورسي أن لديه اضطراباً في مفهوم التوحيد. فتارة يُعرِّف التوحيد بأنه توحيد الربوبية (توحيد المشركين) أي التوحيد الذي آمن به المشركون ولم يُدخلهم في الإسلام، وتارة يعرف التوحيد بتوحيد الألوهية (توحيد الأنبياء)، أي التوحيد الذي جاء به الأنبياء.
فعندما شرح معنى (لا إله إلا الله) قال في رسائل النور (الكلمات، الكلمة الثالثة) : (أي لا خالق ولا رازق إلّا هو، والنفع والـضر بيده) ا.هـ. وهذا التوحيد هو الذي آمن به المشركون، كما قال تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) [سورة الزخرف : 87]. فالخلق والرزق والنفع والضر كلها من أفعال الله، فمن وحد الله في أفعاله فقد حقق توحيد الربوبية. قال الشيخ محمد العمادي أبو السعود (ت 951هـ - 1544م)، أحد علماء الدولة العثمانية : (أي فكيف يصرفون عن الإقرار بتفرده - تعالى - في الإلهية مع إقرارهم بتفرده - تعالى - فيما ذكر من الخلق والتسخير [الربوبية])[3].
وأما التعريف الصحيح للتوحيد الذي جاء به الأنبياء فقد ذكره النورسي في فصل : اللمعات، اللمعة الأولى، فقال عن خوف الإنسان : (فما دام أمر الإنسان هكذا، فلا معبود لـه ولا رب ولا مولى ولا منـجى ولا ملـجأ إلا من بيده مقاليد السموات والأرض .. فلابد أن هذا الإنسان بـحاجة ماسة دائماً إلى التوجه إلى بارئه الـجليل والتضرع) ا.هـ.
يُلاحظ من التعريف السابق أن العبادة وطلب النجاة واللجوء كلها من أفعال العباد، فإذا وحد العبد ربه بهذه الأفعال فقد حقق توحيد الألوهية، أي التوحيد الذي جاء به الأنبياء.
وقال الشيخ النورسي في الحكمة من خلق الإنسان عند تفسير قوله – تعالى - : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [سورة الذاريات : 56]، كما في فصل : الشعاعات، الشعاع السابع : (معرفة الله والإيمان به، والتصديق بوجوده وبوحدانيته إذعاناً ويقيناً) ا.هـ.
وهذا أيضاً اضطراب واضح في مفهوم التوحيد؛ لأن معرفة الله والتصديق بوجوده وبوحدانيته من توحيد الربوبية.
أول واجب على المكلف :
من المعروف لدى أهل السنة والجماعة أن التوحيد أول واجب على المكلف. فكل رسول أرسله الله إلى قومه دعاهم إلى التوحيد، كما قال - تعالى - : (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه) [سورة هود : 59]. بينما يرى أهل البدع أن أول واجب على المكلف النظر في الوجود واستعمال العقل ثم التوحيد. والشيخ سعيد النورسي تأثر بهذا المفهوم فقال في فصل : الكلمات، الكلمة الثالثة والعشرون : (إن الإنسان بعد مجيئه إلى هذا العالم له عبوديةٌ من ناحيتين : الناحية الأولى : عبوديةٌ وتفكرٌ بصورة غيابية، تصديقُه بالطاعة لسلطان الربوبية الظاهر في الكون والنظرُ إلى كماله – سبحانه - ومحاسنه بإعجاب وتعظيم. الناحية الثانية : عبوديةٌ ومناجاةٌ بصورة مخاطبة حاضرة، مقامُ الحضور والخطاب الذي ينفذ من الأثر إلى المؤثر، فيرى أن صانعاً جليلاً يريد تعريف نفسه إليه بمعجزات صنعته. فيقابله هو بالإيمان والمعرفة) ا.هـ.
الاعتقاد في حياة الخضر :
يعتقد الشيخ النورسي أن الخضر على قيد الحياة، وهذا الاعتقاد - والعياذ بالله - مخالف لما جاء في قوله – تعالى - : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ). [سورة آل عمران : 185]. فقد ذكر في فصل : المكتوبات، المكتوب الأول، عندما سئل عن الخضر فقال : (الجواب : إنه على قيد الحياة، إلا أن للحياة خمس مراتب، وهو في المرتبة الثانية منها ... الطبقة الثانية من الحياة: هي طبقة حياة سيدنا الخضر وسيدنا إلياس - عليهما السلام - والتي فيها شيء من التحرر من القيود، أي يمكنهما أن يكونا في آماكن كثيرة في وقت واحد، وأن يأكلا ويشربا متى شاءا. فهما ليسا مضطرين ومقيدين بضرورات الحياة البشرية دائماً مثلنا. ويروي أهل الكشف والشهود من الأولياء بالتواتر حوادث واقعة عن هذه الطبقة) ا.هـ.
تقديم العقل على النقل :
يرى الشيخ النورسي أن العقل مقدم على النقل عند التعارض كما ذكر في فصل : صيقل الإسلام، المقالة الأولى : (من الأصول المقررة أنه : إذا تعارض العقل والنقل، يعدّ العقل أصلاً ويؤوّل النقل، ولكن ينبغي لذلك العقل أن يكون عقلاً حقاً) ا.هـ.
بينما يعتقد أهل السنة والجماعة عدم تعارض العقل مع النقل، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : (النصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول بيّن قط ولا يعارضها إلا ما فيه اشتباه واضطراب، وما علم أنه حق لا يعارضه ما فيه اضطراب واشتباه لم يعلم أنه حق. بل نقول قولاً عاماً كلياً : إن النصوص الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعارضها قط صريح معقول فضلاً عن أن يكون مقاماً عليها، وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات مبناها على معان متشابهة وألفاظ مجملة)[4].
مصادر التشريع عند النورسي :
يُلاحظ من كتابات الشيخ النورسي أن تفسيره للقرآن يعود إلى فهمه الشخصي المبني على آراء الفلاسفة ولا يعود إلى فهم السلف الصالح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
فتعريف القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة هو : كلام الله الذي نزل به الروح الأمين على قلب رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته المعجز بأقصر سورة منه، والمنقول إلينا بالتواتر، وهو الموجود بين دفتي المصحف، يبدأ بسورة الفاتحة ويختم بسورة الناس.
وأما تعريف القرآن الكريم عند النورسي فهو مشوب بكلام الفلاسفة والمتصوفة دون أن يذكر أنه كلام الله. قال النورسي في فصل : الكلمات، الكلمة التاسعة عشرة، : (فالقرآن الحكيم الذي يعرّف ربّنا لنا : هو الترجمة الأزلية لهذه الكائنات والترجمان الأبدي لألسنتها التاليات للآيات التكوينية، ومفسّر كتاب العالم .. وكذا هو كشافٌ لمخفيات كنوز الأسماء المستترة في صحائف السموات والأرض.. وكذا هو مفتاح لحقائق الشؤون المـُضْمَرة في سطور الحادثات .. وكذا هو لسان الغيب في عالم الشهادة.. وكذا هو خزينة المخاطبات الأزلية السبحانية والالتفاتات الأبدية الرحمانية .. وكذا هو أساسٌ وهندسةٌ وشمسٌ لهذا العالم المعنوي الإسلامي.. وكذا هو خريطة للعالم الأخروي.. وكذا هو قولٌ شارحٌ وتفسير واضحٌ وبرهان قاطعٌ وترجمان ساطعٌ لذات الله وصفاته وأسمائه وشؤونه .. وكذا هو مربٍّ للعالم الإنساني .. وكالماء وكالــضياء للإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية .. وكذا هو الحكمة الحقيقية لنوع البشر، وهو المرشد المهدي إلى ما خُلِقَ البشرُ له .. وكذا هو للإنسان : كما أنه كتاب شريعة كذلك هو كتاب حكمة، وكما أنه كتاب دعاء وعبودية كذلك هو كتاب أمر ودعوة، وكما أنه كتاب ذكر كذلك هو كتاب فكر، وكما أنه كتاب واحد، لكن فيه كتب كثيرة في مقابلة جميع حاجات الإنسان المعنوية، كذلك هو كمنزل مقدسٍ مشحون بالكتب والرسائل. حتى أنه ابرز لمشرب كل واحدٍ من أهل المشارب المختلفة، ولمسلكِ كل واحدٍ من أهل المسالك المتباينة من الأولياء والصديقين ومن العرفاء والمحققين رسالةً لائقةً لمذاق ذلك المشرب وتنويره، ولمساق ذلك المسلك وتصويره حتى كأنه مجموعة الرسائل) ا.هـ.
تفسير القرآن الكريم :
يرى المفسرون أن تفسير القرآن الكريم يتم من خلال ثلاثة مصادر :
1. تفسير القرآن بالقرآن.
2. تفسير القرآن بالسنة.
3. تفسير القرآن بقول الصحابة.
ثم جاء التابعون واعتمدوا تفسير الصحابة مرجعاً لهم ثم زادوا عليه، وجاء من بعدهم، وهكذا حتى يسر الله وجاء الإمام ابن جرير الطبري وقدم تفسيره المشهور، ثم تعاقب المفسرون من بعده.
وأما الشيخ النورسي فقد ترك كل هذا الميراث العظيم من تفسير كتاب الله وأخذ التفسير من خيالات نفسه فيما يعرف بالمكاشفات وأطلق عليها رسائل النور، ولا نجد في كتاباته شيئاً من السنة أو أقوال الصحابة أو التابعين. قال عن نفسه في سيرته الذاتية الباب الأول : (إنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام وقال له : سيوهب لك علم القرآن ما لم تسأل أحدا). وقال أيضاً في فصل : الشعاعات، الشعاع الرابع عشر : (فأنا على قناعة تامة ويقين جازم بأن هذه الرسائل ليست مما مضغته أفكاري، وإنما إلهام إلهي أفاضه الله - سبحانه - على قلبي من نور القرآن الكريم).
وقال أيضاً عن نفسه وهو في الأسر، وكيف انتقل من سعيد القديم إلى سعيد الجديد كما في الفصل الرابع من السيرة الذاتية : (في تلك الليالي المظلمة الطويلة الحزينة، وفي ذلك الجو الغامر بأسى الغربة، ومن واقعي المؤلم الأليم، جثم على صـدري يأس ثقيل نحو حياتي وموطني، فكلما التفتُّ إلى عجزي وانفرادي انقطع رجائي وأملي. وإذ أنا في تلك الحالة جاءني المدد من القرآن الكريم).
عدم معقولية الحقائق الإسلامية :
قال الله تعالى في محكم التنزيل : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ). [سورة القمر : 22]. فتفسير القرآن الكريم يجب أن يتم بفهم السلف الصالح وليس بضرب الأمثلة والحكايات. بينما يرى الشيخ النورسي أن الأحكام والتعاليم الإسلامية غير معقولة وغير مفهومة للناس، ولذا فهو يضرب الأمثال والقصص ليقرب الفهم للناس، كما قال في فصل : الكلمات، الكلمة العاشرة) : (تنبيه : إن سبب إيرادي التشبيه والتمثيل بصورة حكايات في هذه الرسائل هو تقريب المعاني إلى الأذهان من ناحية، وإظهار مدى معقولية الحقائق الإسلامية ومدى تناسبها ورصانتها من ناحية أخرى، فمغزى الحكايات إنما هو الحقائق التي تنتهي إليها، والتي تدل عليها كنايةً. فهي إذن ليست حكايات خيالية وإنما حقائق صادقة).
جوانب إيجابية :
ومن إيجابيات الحركة النورسية خاصة والجماعة الإسلامية عامة في تركيا أنها تجنبت الصدام المسلح مع القوى العلمانية المهيمنة على البلاد. وعلى الجميع أن يستفيدوا من الأخطاء التي وقعت فيها الحركات الإسلامية الأخرى مثل الحركة المهدية في السودان التي وصلت إلى الحكم واستمر خمسة عشر عاماً ولم تُصلح منهجها ليتفق مع منهج الأنبياء في الإصلاح فقضى عليها الإنجليز في عام (1314هـ - 1896م).
جوانب سلبية :
من الملاحظ أن البناء على القبور شائع في تركيا ولم يتطرق له النورسي، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث : (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)[5].
قال الشيخ أحمد الأقحصاري الحنفي – رحمه الله - (ت1043هـ - 1634م) أحد علماء الدولة العثمانية : (هذا الحديث من صحاح المصابيح، روته أم المؤمنين عائشة، وسبب دعائه - عليه الصلاة والسلام - على اليهود والنصارى باللعنة أنهم كانوا يُصلون في المواضع التي دفن فيها أنبياؤهم، إما نظراً منهم بأن السجود لقبورهم تعظيم لهم، وهذا شرك جلي ... أو ظناً منهم بأن التوجه إلى قبورهم بالصلاة أعظم وقعاً عند الله – تعالى - لاشتماله على أمرين عبادة الله - تعالى - وتعظيم أنبيائه، وهذا شرك خفي، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته على الصلاة في المقابر احترازاً عن مشابهتهم بهم، وإن كان القصدان مختلفين) [6].
وكذلك ما قاله الإمام البركوي – رحمه الله – (981هـ - 1573م) أحد علماء الدولة العثمانية : (وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المسجد عليها والصلاة إليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، ونص أصحاب أحمد ومالك والشافعي بتحريم ذلك. وطائفة وإن أطلقت الكراهة لكن ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم إحساناً للظن بالعلماء وألا يُظن بهم أن يُجِّوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن فاعله والنهي عنه ... فكل ما لعن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من الكبائر، وقد صرح الفقهاء بتحريمه ... ومنها أنه - عليه الصلاة والسلام - نهى عن تجصيصها والبناء عليها، كما روى مسلم في صحيحه عن جابر - رضي الله عنه - أنه - عليه الصلاة والسلام -نهى عن تجصيص القبر وأن يبنى عليه)[7].
المراجع :
[1] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي : 1/329.
[2] كليات رسائل النور، سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر موقع : www.saidnur.com/، وجمع أقوال النورسي من هذا المصدر.
[3] إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم : 7/46، (د-ت) دار إحياء التراث العربي-بيروت.
[4] در تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية : 1/155.
[5] صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة : 105، رقم الحديث (435، 436). صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور : 214، رقم الحديث (531).
[6] المجالس الأربعة، دار العاصمة، الرياض. : 7، 8.
[7] زيارة القبور الشرعية والشركية، مؤسسة النور، الرياض : 56.