مقالات سابقة
البحث في الموقع
القائمة البريدية

حرب العملاء للعلماء !
الأحد 31, يناير 2010
حرب العملاء للعلماء !

لجينيات ـ  لكلِّ بلدٍ وقطرٍ من الأقطار بيئته التي تميزه عن غيره, وهي بيئة مستوحاة من وحي ثقافته والتي غالبًا ما تعود إلى عقود وربما قرون سابقة, وربما تكون هذه البيئة مأخوذة من أفكار- آيدلوجيا – فرضها واقع معين فنشأت بسببها هذه المبادئ؛ فلا يخلو جيل من ثقافة يرى أنها تمثل كيانه.

وكان للعرب ثقافة اختصوا بها من بين الأمم, وإن كانت القوى العظمى ترى في ذلك العهد أنَّ أولئك الأعراب يدينون لهم بالولاء والتبعية وأن ما هم عليه يعدُّ جهلاً بالنسبة لهم, على النقيض تمامًا من النظرة التي ينظر لها أولئك فهم يعدون ما هم فيه مفخرة يفاخرون بها.

ولما نزل الوحي على رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم – وبات الجهل يضيق بأنوار الوحي, ورأت القوة العظمى أنَّ فارسًا جديدًا يدخل حلبة الصراع – صراع القيم والمبادئ – وبدأ الالتفاف حوله, والناس تقبل عليه, معلنًا بسحب البساط من تلك العروش , بدأت الحرب والتوجه نحو هذا الفارس الجديد.

وظلَّ الإسلام ينتصر وترتفع رايته لأسباب عديدة؛ منها نصر الله تعالى له وتأييده, ولأنه الدين الذي يوافق فطرة الإنسان وعقله ويعطي كل ذي حق حقه.

وظلت مسألة العداوة بين الخير والشر قائمة ولن تزول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, ومن هذا المنطلق كان لزامًا على أهل الخير ألا يقفوا مكتوفي الأيدي في مواجهة أصحاب الشر, والاكتفاء بالحسبلة والحوقلة! بل عليهم معها بذل الأسباب من مقارعة الحجة بالحجة ودين الله غالب لا يُغلب.

لذا ما نراه في زمننا هذا ليس بالأمر الجديد, بل له سلف من محاولات ومحاولات منها ما حقق مأربه ومنها ما عاد خائبًا على وجهه , وقد كان للعلماء في تلك الأزمنة الدور العظيم في صدِّ تلك الهجمات المتتالية.

ولاشك أنَّ دور العالم في زماننا هذا يختلف عما كان عليه دور العالم في الزمن السابق, فقد كان إلى زمن قريب كلمته مسموعة؛ بل لا يسع الحاكم مجاوزتها إلا في نطاق محدود, فهو ولي أمر كما أنَّ السلطان ولي أمر أيضًا .

ولعل أول صراع حدث بين السياسي والديني – إن صحَّ التعبير – ما كان في العصر العباسي عندما حمل المأمون الناس على رأي خالف فيه أهل السنة والجماعة, وخرجت تلك الفتنة والتي كلنا يعلم من ورائها وأججها, وهم إلى زمننا هذا نجدهم عند التحقيق خلف كل أزمة تمر بالعالم الإسلامي.

وقد وقف الإمام أحمد رحمه الله موقفًا مشرفًا فحمى الله به الأمة يوم أن كانت تنتظر منه الكلمة لتبقى أو تحيد, وحين أدرك أعداء الإسلام أنَّ للعلماء هذه المنزلة وأنهم يعدون الحصن الحصين لأمتهم, كان من أهم أهدافهم اختراق هذا الحصن وهدمه؛ لأن ما بعده أهون منه.

ويخطئ من يظن أنَّ الشعوب لا تدين للعلماء الربانيين ولا تقف في صفهم, وأنها في صف السياسي وتخشى الحديد والنار! الشعوب- كل الشعوب- تقف مع من يناصر قضاياها ويعيش همومها على الحقيقة وتعرف من يريد بها الخير ممن يريد بها أن تقع في الهاوية, وهذا لا يكون إلا عندما يوجد العالم المؤثر ويوقف العامل المؤثر!

في أبجديات المعارك الفكرية والعسكرية أيضًا أن التفكك من الداخل وحصان طراودة- كما يقال – إن نجح فإنَّ تأثيره أبلغ من المواجهة المباشرة, وقد جرب أولئك هذه وتلك ووجدوا أنهم يفقدون الأموال والأرواح ويعيشون الكراهية بشكل كبير وواضح بينما الحرب عن طريق الوكلاء تأتي لهم بالتبعية والولاء, والإنفاق على هؤلاء أقل بكثير من تمويل تلك المواجهات! وهذا ما كنا نراه في سنوات قريبة خلت حين كان التمجيد للولايات المتحدة يجري على كل لسان وعلى كافة الأصعدة وأنها مضرب المثل في الحرية والتعايش السلمي, وكان الذهاب إلى هناك يعدُّ مفخرةً سواءً أكان للدراسة أم للسياحة و و و .. إلى آخر تلك المميزات, ولو سارت الولايات المتحدة على تلك الحال لحققت أضعاف ما حققته الآن؛ لكن ليجري قدر الله دخلت الولايات في الحديد والنار, ولعلَّ أذنابهم كانوا أقلَّ صبرًا وغرروا بهم أو أنهم استعجلوا الثمرة وحرب العراق تشهد والساحة الإقليمية تؤكد هذا وربما تكون أكلت طعمًا أوقعها فيما هي فيه الآن!

كشرت الولايات عن أنيابها, وبان عوارها, وتناست الأصدقاء وأنهم يدينون بحال الرضا وأشداء في حال السخط والضيم ولولا أن السياسي في العالم العربي قد أرهب حينًا وخشي على من خلفه حينًا آخر لرأينا عجبًا !

 لذا كان من واجب العلماء والأمة جمعاء أن تقف موقفًا موحدًا في صدِّ هذا العدوان, وعلى السياسي أن يحاسب الوكلاء عن العدو في الداخل والذين يريدون أن تعيش البلاد فوضى , وألا يستقيم أمرها, فقد رأينا منهم هجمة شرسة على القيم والمبادئ بدءًا من العلماء وانتهاء بتدويل بعض القضايا الداخلية – بأن تجعل للرأي العالمي حق إبداء الرأي والمشاركة والتدخل إن لزم الأمر – فتصبح المسألة كفرض الوصاية على قرارات الدولة وهذا انتهاك لسيادة الدول.

وكان هجومهم على جبهات عدة فمنها الفكري, ومنها الشرعي, ومنها السياسي, فمن الأول ما تبثه تلك الأقلام من تمجيد لتلك النظم والافتخار بما هي عليه مع ذكر العيوب والتخلف كما يقال في تعاطينا مع تلك الحالات والتي سببها التعامل السيئ وغير الصحيح معها فلابد من اتخاذ السبل الصحيحة التي من خلالها ينعم الفرد ويحصل على ما يريد, ومن الثاني بث الأمور الخلافية وزعزعة الثقة في العلماء وأن المسألة تقبل الخلاف ولا بأس بأن تشترى الذمم فقد رأينا من يصافح العدو, ومن يقول بالإسلام السياسي, ومن يخالف القول المعتبر ليشغب به على عوام الناس بنقولات وأراء شاذة , ومن الثالث ما نراه من ضغوطات خارجية وداخلية على الدولة والحديث عن التخلف والتبعية وأن سببها التمسك بالموروث الديني وأن الشريعة فيها سعة .. إلى آخر تلك المحاولات التي من شأنها أن تزلزل أمة بأكملها إذا لم يتخذ ضدها إجراءً صارمًا يوقف هذه المهازل .

وإنَّ من الواجب على العلماء والشرفاء والعقلاء وأصحاب السياسة ألا يقفوا مكتوفي الأيدي وأن يصدروا البيانات والشجب والاستنكار , فإذا كنا نعيب حالنا في تناول قضايانا الدولية بالشجب والاستنكار فما بالنا نمارس هذا النوع في شؤوننا الداخلية, الواجب عليهم بذل النصح الصادق وبلسان الحكمة ومكاشفة أنفسهم في معرفة الخلل ومعالجته وبكشف تلك المخططات أمام الناس ونبذ أننا وإياهم سواء وتكثيف الدعوة ونشر العلم والنزول إلى الميدان, كلٌّ بما يحسنه, فالأمر كما قيل: حين تقف أنت سيتقدم غيرك!

إن من الواجب العيني أن تتوحد الجهود وأن تنبذ الخلافات وأن يواجه أولئك القوم بالغلظة والشدة كما أمر الله جل جلاله نبيه صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين, معذرة إلى ربكم وقيامًا بالواجب الذي فرضه الله عليكم .

حمى الله البلاد والعباد من شر الأشرار وكيد الفجار , اللهم عليك بمن أراد بنا أو ببلادنا سوءًا , اللهم اجعل كيده في نحره وتدبيره تدميرًا له , اللهم سدد ولاة أمرنا واجعلهم في مراضيك يسيرون ولدينك ينصرون .. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

وكتبه/ عبدالعزيز الحربي
aziz.7arbi@gmail.com

 

كتابة تعليق على المقال

اسمك الكريم
عنوان التعليق
نص التعليق*
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي لجينيات وإنما تعبر عن رأي أصحابها